السيد كمال الحيدري
105
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
أما الرمز في الاستعمال فإنه يقتصر على المعنى التركيبي أو الجملي ، حيث يهدف من وراء ظواهرها إلى معنى آخر يتحرّك في ضوئه النصّ - في سياقه الجُملي - دون الإفصاح أو البوح به ، وعندنا أن الرمزية مجالها أوسع من ذلك ، فهي تُؤسّس لأهدافها ابتداءً من المستوى المُفرداتي ولكن دون أن ينعقد لها مدلول تصديقي ؛ لما هو واضح من أن المفردات تتحرّك في عالم التصوّرات لا غير ، ولكن هذه التصوّرات الأوّلية سوف تترشّد فيما بعد في المستوى الجُملي ، لترسم أهدافاً أكثر قرباً ونضجاً ، ولكنها لا تتجاوز المدلول والإرادة الاستعمالية ثمّ تتحرّك الرمزية باتّجاه أهدافها الجدّية ، وهنا تكمن المقاصد الفعلية من جهة ، والقدرة على الوقوف عليها من جهة أُخرى . بعبارة أُخرى : إنَّ القراءة التفسيرية تتّضح معالمها ضمن حدود الرمزية في ضوء الحركة في تعيين المراد الجدّي ، وهذا - كما اتّضح - لا يُمكن تحقّقه بشكله النهائي في الوجود الجملي للنصّ . من هنا تتأكّد لنا فكرة ضرورة السير في القراءة التفسيرية وفقاً للمراتب الثلاث للنصّ القرآني ، ونعني بذلك الوجود المفرداتي الابتدائي والوجود الجُملي المتوسّط والوجود الموضوعي الغائي ، لتنتهي الرحلة المعرفية عند الهدف الأعلائي الذي تتكفّل به العملية التأويلية ، وهذا ما اختططناه لسيرنا المعرفي في قراءتنا التفسيرية ، والذي سوف تتّضح معالمه بقوّة في الفصول القادمة « 1 » . وعوداً على بدء ، فإن الرمز في بعده الاستعمالي قديم العهد جدّاً ، فهو وليد الحضارات الأولى ، لاسيَّما الحضارات التي كانت كثيرة التأمّل في حقيقة الموت كما هو الحال عند الفراعنة واليونانيين القدماء ، حيث أعطى الفراعنة للموت
--> ( 1 ) سيتضح لنا ذلك جلياً في فصول البابين الثاني والثالث من هذه الدراسات التخصّصية . .